مقالات وخواطر وافكار

نظرة في كتاب «الاستدراك الواعي» لمحمد أحمد الراشد

Spread the love

تنعقد صلة عميقة بين إصلاح الحياة وحماية الإنسان الذي يتولى إصلاحها؛ فالمصلح قد يمتلك الفكرة، ويحسن ترتيب الوسائل، ثم يفقد في الطريق رقة القلب التي تمنح عمله معناه، أو سعة الخيال التي تفتح له الممكن، أو حساسية اللغة التي توصله إلى نفوس الناس. ومن هنا تأتي خصوصية هذه الرسالة: إنها تبحث في شروط بقاء الروح حيّة داخل المشروع الإصلاحي، وفي كيفية اجتماع الإيمان والفكر والجمال والعمل في شخصية واحدة.

يبدأ أثر الكتاب من عنوانه. فالاستدراك كلمة تحمل اعترافًا بأن شيئًا قد فات، وبأن المسيرة تحتاج إلى عودة تبصر مواضع النقص فيها.

وفي الوقت نفسه تحمل ثقة بإمكان التدارك؛ فما دام الإنسان قادرًا على المراجعة، فإن الفوات لم يتحول كله إلى خسارة نهائية، أما وصفه بالواعي فيمنحه شرطه المنهجي: أن يعرف المصلح ما الذي اختل، وكيف اختل، وبأي أدوات يعالجه. وأرى أن المسافة بين الشعور بالخطأ والقدرة على إصلاحه هي المساحة التي يحاول الراشد أن يعمرها في هذه الصفحات.

ويختار المؤلف لبدايته مدخلًا دقيقًا: التحول النفسي الذي يصاحب الولاية والمنصب.

فالمشكلة التي يبرزها في مطلع الرسالة تتجاوز نقص الخبرة إلى ما قد تفعله السلطة في صاحبها؛ إذ يستطيع المرء أن يتعلم الإدارة، بينما يصعب عليه أن ينتبه إلى الكِبر حين يتسلل في صورة استحقاق، وإلى الظلم حين يتخفى وراء مقتضيات العمل. هنا تنشأ إحدى أعمق دلالات الكتاب: قد يتقدم الإنسان في موقعه، ويتراجع في أهليته الأخلاقية لحمل ذلك الموقع. وما يجعل هذه الفكرة مؤثرة أنها ترد النعمة إلى امتحانها؛ العلم والمال والنفوذ والقدرة كلها تضع صاحبها أمام سؤال الاستعمال، لا أمام بهجة الامتلاك وحدها.

ومن هذا المدخل يعيد الراشد قراءة كتاب السبكي «معيد النعم ومبيد النقم»، مستخرجًا منه تصورًا للمسؤولية يمتد إلى طبقات المجتمع ومهنه.

فالإصلاح، في هذا المنظور، يسري في طريقة أداء القاضي والطبيب والتاجر والمعلم والموظف أعمالهم. وحين تتوزع الأمانة على تفاصيل الحياة، يصبح فساد المهنة جرحًا في المجتمع، ويغدو إتقانها صورة عملية من صور شكر النعمة. وهذه نقلة لها وزنها؛ لأنها تصل التدين بحقوق الناس، وتجعل أثره قابلًا لأن يُرى في عدل المعاملة وجودة الأداء وحفظ المصالح.

وتبرز هنا محاولة المؤلف الجمع بين التحليل الخلدوني لحركة المجتمع والرصد الأخلاقي التفصيلي عند السبكي. إنه يريد فهمًا يفسر الظاهرة، وبصيرة تعين موضع الخلل، وإرادة تحمل مسؤولية علاجه.

وقيمة هذه المحاولة، في قراءتي، أنها تنبه إلى نقصانين متقابلين: معرفة واسعة بأسباب التدهور قد تنتهي إلى برودة المتفرج، وغيرة شديدة على الإصلاح قد تتعثر لضعف معرفتها بما تواجهه. ولذلك يلح الكتاب على الفكر والتربية والتنظيم والمنهج، بوصفها وجوهًا متعاونة للعمل.

غير أن نبرته تصبح أكثر إنسانية حين يقترب من الشخص الذي جرفه التيار. فالراشد يلتفت إلى أثر المحاكاة، وضغط الكثرة، والدعاية، والانقياد لما يبدو قويًا وسائدًا. وهنا تتغير عين المصلح: يرى وراء السلوك نفسًا ضعفت قدرتها على الاختيار، ويبحث عن مدخل يعيد إليها استقلالها. وهذه الرحمة ذات دلالة تربوية؛ لأنها تمنع اختزال الإنسان في العثرة التي ظهر بها. فالذي أخطأ قد يكون محتاجًا إلى من يوقظ فيه قدرته على المقاومة، بعدما اعتاد أن يستعير وجهته من الزحام.

وتتصل بذلك ثقته ببقاء الفطرة وإمكان الإفاقة. ولعل أجمل ما يفتحه هذا المعنى أن الإنسان لا يصير مطابقًا تمامًا لما تراكم عليه؛ تبقى فيه قابلية تستجيب، وموضع يمكن أن ينفذ منه النور. ومع ذلك، تحتاج سرعة الإفاقة التي يتفاءل بها المؤلف إلى تقدير اختلاف الأحوال؛ فبعض الناس توقظهم كلمة، وبعضهم يحتاج إلى صحبة طويلة وبيئة جديدة وتدرج صبور. إن الثقة بالفطرة تمنح الإصلاح أمله، ومعرفة تعقيد النفس تمنحه حكمته.

وعندما يصل الكتاب إلى عبارة «القلب يقود الانقلاب» يكشف عن مركزه الداخلي. فالقلب الذي سيحمل هموم الناس يحتاج هو نفسه إلى إصلاح واسترجاع نبض. ويلفتني أن الراشد يقرن العزم والنية والدعاء بإسناد حقيقة التغيير إلى توفيق الله؛ فيضع المصلح في موضع العامل المفتقر، ويحرره من وهم التحكم الكامل في النتائج. ومن هذا الموضع يمكن أن تنشأ رحمة أصدق: من عرف حاجته إلى الهداية، استطاع أن يدعو إليها دون أن يتعامل مع الآخرين كأنهم مادة يملك تشكيلها.

وفي هذا السياق تؤدي الأشعار التي يوردها الكتاب وظيفة تتجاوز الاستشهاد. إنها تستحضر البرد والدفء، والضيافة والإيثار، والوحشة والرجاء، لكي تعيد إلى المفاهيم أجسادها الإنسانية. فالتضحية تصبح إحساسًا بمن يحتاج إلى دفئك، والرحمة تقترب من صورة ضيف يشاركك ما تملك. والأدب هنا يدرّب المصلح على أن يشعر بالإنسان الذي يتحدث عنه. ذلك أن المرء قد يحفظ حقوق المقهورين في عباراته، ثم تعجز مخيلته عن الاقتراب من يوم واحد في حياتهم.

ومن أكثر وجوه الرسالة تميزًا دفاعها عن الخيال باعتباره ضرورة للإبداع الإصلاحي. فالواقع المثقل بأعطابه قد يوهم الناظر أنه الصورة الوحيدة الممكنة للحياة. ويأتي الخيال ليتيح تصور صورة أخرى، ثم يعرضها الفكر على الإمكان، وتبحث الإرادة عن سبيل إليها. وعلى هذا الأساس يصبح ضمور الخيال عائقًا عمليًا؛ إذ قد تتكرر الوسائل لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على تصور غيرها. وفي تأويل هذا المسار يمكن القول: إن الخيال يمنح الفكرة أفقها، بينما يمنحها المنهج طريقها، وتحرس الأخلاق غايتها.

ثم يبلغ هذا الاهتمام بالجمال ذروته في حديثه عن نداوة العربية وخطر الجفاف في التربية والعمل. يخشى المؤلف أن ينشأ جيل يحسن التعامل مع الآلات والبرامج، وتضعف صلته بثراء اللغة وحياة الوجدان. والمغزى الأخصب لهذا التحذير هو ضرورة صيانة الإنسان في أثناء تطوير أدواته؛ فالكفاءة تحتاج إلى ضمير يوجهها، والسرعة تحتاج إلى انتباه يعرف ما الذي يستحق الوصول إليه. أما ربط الجفاف بالتقنية على نحو واسع، فيحتاج إلى ضبط؛ إذ يتحدد أثر الأداة بما نبنيه حولها من عادات وغايات ومناهج تربية.

ومن اللافت أن الكتاب يعود، قرب نهايته، إلى ثقل المسؤولية والخوف من تبعاتها. فبعد أن حذر من فتنة المنصب، يتدارك خطرًا آخر: أن يتحول الورع إلى انسحاب يترك مصالح الناس لمن يسيء تدبيرها. ويظهر هنا توازن مهم في بنائه؛ إذ يستدعي الخوف لكي يهذب الإقدام، ثم يستدعي الأجر ونفع الناس لكي يعالج التردد. وتجيء فكرة تذوق ثمرة الغرس لتمنح العمل فسحة من الفرح؛ فللمربي أن يفرح بنضج من رباه، وللمحسن أن يجد حلاوة إحسانه، مع بقاء اعترافه بالفضل لله.

ومع ثراء هذه الرسالة، تبقى بعض انتقالاتها أحوج إلى تفصيل وبرهنة. فالشاهد الشعري يضيء الخبرة الإنسانية ويقربها، لكنه لا يكفي وحده لإثبات قانون اجتماعي. وكذلك فإن الجمع بين السبكي وابن خلدون يفتح مجالًا خصبًا للبحث، دون أن يكون في هذه الصفحات بناءً نظريًا مكتملًا. وتأتي في الخاتمة عبارات حصرية عن امتلاك الدعوة الإسلامية أسرار تحريك الحياة؛ وهي تعبّر عن يقين المؤلف بمشروعه، لكن إثباتها المقارن يتطلب أكثر مما تقدمه الرسالة، ولا سيما أن الكتاب نفسه يستفيد من أصوات أدبية وفكرية متنوعة.

لهذا تبدو قيمة «الاستدراك الواعي» أوضح حين نقرأه نصًا يؤسس للحس الإصلاحي ويستنهض أدواته، ونحمّله من المطالب بقدر ما يحتمل حجمه وطبيعته. إنه يوقظ أسئلة يحتاج كل مشروع إلى إبقائها مفتوحة: ماذا صنعت الوسائل بأصحابها؟ وهل بقي الإنسان حاضرًا وراء البرنامج؟ وهل اتسعت المعرفة بقدر اتساع النشاط؟ وهل لا تزال اللغة قادرة على ملامسة القلب؟

ويبقى في النفس بعده معنى يتجاوز عباراته: أن إصلاح العالم يقتضي انتباهًا دائمًا إلى ما يحدث داخل من يريد إصلاحه. فقد تستمر اليد في العمل بعد أن يبرد القلب، وقد يزداد الصوت قوة حين تقل البصيرة، وقد يستقيم التنظيم بينما تضيق فيه مساحة الإنسان. والاستدراك عندئذ يبدأ من هذه الشجاعة الهادئة: أن نتوقف بقدر ما نبصر، ونراجع بقدر ما نصحح، ثم نعود إلى العمل بقلب أرحم، وعقل أدق، وخيال يرى للناس حياة أجدر بهم.

✍🏻

رداد السلامي

اترك تعليقاً