ذهب أدونيس إلى استحالة الفصل بين الإسلام واللغة العربية على أي مستوى؛ وهي ملاحظة، على اختلاف المنطلقات التي صدرت عنها، تلتقي مع وعيٍ مبكر لدى علماء العربية بأن الصلة بين الإسلام ولسانه ليست صلةَ فكرةٍ بوعاءٍ محايد، بل صلةٌ أعمق؛ إذ نزل القرآن عربيًّا، وتشكل جانب عظيم من فهم الشريعة واستنباط دلالاتها داخل نظام هذه اللغة وطرائقها في البيان.
وقبل أدونيس بقرون، كان أبو الحسين أحمد بن فارس (ت 395هـ/1004م) قد عبّر عن هذا الوعي تعبيرًا علميًّا بالغ الأهمية. ويرجّح عدد من الباحثين أنه من أوائل من استعملوا مصطلح «فقه اللغة» بهذا الوضوح، إذ سمّى كتابه: «الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها»، وهو كتاب تجاوز جمع الألفاظ إلى النظر في خصائص العربية، وسننها، وطرائق العرب في التعبير، وعلاقتها بالقرآن والبيان.
ولم تكن عناية ابن فارس بالعربية عنايةً لغويةً محضة؛ فقد كان ينظر إليها بوصفها جزءًا من جهاز الفهم الذي يُصان به معنى الوحي من التحريف وسوء التأويل. ومن هنا تتضح المكانة الكبيرة التي منحها للنحو ولسائر علوم العربية؛ فالنحو عند هذا التصور لا يحرس سلامة الجملة فحسب، وإنما يحرس سلامة المعنى، واللغة لا تحفظ طريقة العرب في الكلام فحسب، بل تحفظ معها مفاتيحَ فهم النص الذي نزل بلسانهم.
ولهذا يمكن القول إن حماية العربية في التراث الإسلامي لم تكن دفاعًا عن هوية لسانية مجردة، وإنما كانت ـ في جانب جوهري منها ـ دفاعًا عن إمكان الفهم الصحيح للإسلام نفسه؛ فكلما اختلَّ اللسان اختلَّ معه شيء من أدوات النظر، وكلما ضعفت معرفة طرائق العرب في البيان ازداد احتمال أن يُحمَّل النص ما لا يحتمل، أو يُنزَع من ألفاظه ما أودعه السياق والنظم والاستعمال العربي فيها.
ومن هنا كانت العربية بالنسبة إلى القرآن أكثر من لغةِ ترجمةٍ لأفكاره؛ إنها اللغة التي تشكَّل فيها بيانه، وانتظم بها نظمه، وتعيَّنت من خلالها كثير من دلالاته. ولذلك يمكن ترجمة المعنى إلى اللغات الأخرى، أما القرآن في خصوص بيانه ونظمه وإعجازه فلا ينفصل عن عربيته؛ لأن الترجمة تنقل قدرًا من المعنى، ولا تنقل النص القرآني نفسه بكل شبكته البيانية والدلالية

رداد السلامي