جاء في قراءة عكرمة: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدَأْ قَلْبُهُ}
نُقلت هذه القراءة عن عكرمة؛ ذكرها أبو حيان في «البحر المحيط»: «يَهْدَأْ» بهمزة ساكنة، و«قلبُه» بالرفع، بمعنى سكون القلب واطمئنانه.
وهي من القراءات الشاذة، كما صنّفها «مجمع البيان»؛ فيُميَّز بينها وبين القراءة القرآنية المتواترة: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
وما أعمق الصلة بين قلبٍ يهتدي، وقلبٍ يهدأ! ويمكن أن نتأمل هذا التقارب في ضوء صدر الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ فالكلام عن قلبٍ داهمته المصيبة، واختلّ حوله ما اعتاد الاتكاء عليه.
في هذا الموضع يأتي الوعد بهداية القلب؛ حين يعجز الإنسان عن ردّ ما وقع، يبقى بابٌ عظيم مفتوحًا: أن يهديه الله إلى كيفية تلقّيه.
إن المصيبة تُوجع الإنسان بما تسلبه منه، وقد يزيد وجعَها ما تُثيره داخله من أسئلةٍ وتوهّمات: أأنا متروك؟ وهل انتهى الخير بفقد هذا الشيء؟ وكيف أعيش بعده؟ ومن هداية القلب أن يستقر فيه أن ما أصابه لم يخرج عن علم الله وتقديره، وأن جهله بالحكمة لا يعني غيابها. ولهذا فسّر أهل التفسير هداية القلب هنا بالتسليم والصبر عند البلاء.
ومن هنا يُفهم الهدوء فهمًا أرحب: قد تبقى الدمعة، ويبقى الحنين، ويثقل الليل على صاحبه، ومع ذلك يجد القلب جهةً يأوي إليها.
فالسكينة تتّسع للحزن؛ يستطيع الإنسان أن يتألّم وهو مطمئنٌّ إلى ربّه.
وقد تأتي هذه السكينة على مهل، يستعيدها المرء بعد اضطراب، ويطلبها كلما غلبه الوجع؛ فلا يكون تأخّر هدوئه حكمًا على صدق إيمانه.
ولعل من ألطف ما يُستأنس به في اجتماع المعنيين أن القلب حين يهتدي يعرف أين يضع ألمه: يضعه في الدعاء، ويصحبه بالصبر، ويحمله إلى الله، فلا يظل حبيسًا في صدره يدور به من خوفٍ إلى خوف.
لم تعد إليه كلُّ الأشياء التي فقدها، لكنه لم يَعُدْ يواجه فقدها وحده؛ اهتدى قلبه إلى ربّه، فوجد في الطريق إليه موضعًا يهدأ فيه

رداد السلامي