قال الشيخ إبراهيم السكران :حتى حين ذكر الله المعاصي والخطايا إذا يقارفها ابن آدم فإن القرآن يفتح باب ذكر الله أيضا [وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ] سورة آل عمران (١٣٥)
قلت :نعم، وهذه من أرحم دقائق الآية: لم تجعل المعصية آخر ما يُعرَّف به الإنسان، ولم تتركه محبوسًا في صورة زلّته؛ بل فتحت له بابًا يعود منه: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾.
فالإنسان قد يغيب عن الله ساعةً فيقع، ثم يفيق حين يذكره؛ يذكر قربه، وعلمه، وسعة مغفرته، فيستحيي من ذنبه ولا ييأس من رحمته. وكأن الآية تقول إن النجاة لا تبدأ من ادعاء العصمة، بل من لحظة الصحو التي يردّ فيها القلب خطأه إلى الله، فيستغفره ويتوب إليه.
ثم لا تقف الآية عند الاستغفار وحده، بل تختم بوصفٍ يحفظ للتوبة صدقها: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فليس العبد الصالح من لم يزلّ قط، وإنما من لا يتخذ زلّته مقامًا، ولا يحوّل خطأه إلى عادة يدافع عنها؛ إذا عرف، رجع، وإذا أذنب، استغفر، وإذا أفاق، لم يُقم في موضع السقوط.
وما أوسع هذا الباب: حتى في سياق الفاحشة وظلم النفس، يردّ القرآن الإنسان إلى ذكر الله؛ لأن ذكره ليس مكافأةً للمعصومين وحدهم، بل نجاةٌ للراجعين. ثم تأتي الآية بما يقطع اليأس ويمنع الغرور معًا: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فلا يملك أحد أن يغلق بابًا فتحه الله، ولا يملك المذنب أن يجعل رحمة الله ذريعةً للإصرار.
••والآية تحتمل استرسالًا يليق بهذا المعنى؛ ففيها صورة الإنسان حين يضعف، ثم يفيق، ثم يجد الطريق إلى الله مفتوحًا أمامه.
تأتي الآية في سياق وصف المتقين، فتقول: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾. وهذا الوصف يلفت القلب إلى أن التقوى لا تعني أن صاحبها لم يعرف موضع العثرة، ولا أن نفسه لا تعرض لها غفلة أو شهوة أو ضعف. إنما تظهر التقوى في موقفه بعد العثرة: ماذا يفعل حين يكتشف أنه ابتعد؟ أيتخذ من خطئه حجةً، أم يجعله سببًا للرجوع؟
ولفظ الفاحشة يستحضر الذنب الذي يتجاوز حدًّا فادحًا، أما ظلم النفس فيفتح الدلالة لكل ما يقارفه المرء مما ينقص حظه من الخير ويوقعه في التبعة. وقد تكون الفاحشة من ظلم النفس، لكن التعبير بها بعد ذلك يوسّع المشهد، كأن الآية لا تحصر الحديث في خطيئة واحدة، ولا تخص بابًا من أبواب الضعف؛ إنها تتناول الإنسان حين يقع في ذنب عظيم، أو حين يجور على نفسه بأي معصية.
ثم تأتي الكلمة التي وقفتَ عندها: ﴿ذَكَرُواْ ٱللَّهَ﴾. لم يقل: لم يعرفوا الذنب، أو لم يقتربوا منه، أو لم تغلبهم أنفسهم؛ بل ذكر أنهم فعلوا، ثم ذكر بعد الفعل أنهم ذكروا الله. وهنا يتبدل اتجاه القلب. كان منصرفًا في لحظة الذنب، غافلًا عن عاقبته، أو مستسلمًا لداعي نفسه؛ ثم انكشف له ما غاب عنه: أن الله يراه، وأن الذنب ليس أمرًا عابرًا بلا أثر، وأن وراءه حسابًا، وأن وراء الحساب ربًّا يغفر لمن رجع إليه.
إن ذكر الله هنا ليس ترديدًا للفظ فحسب، بل عودة الوعي إلى موضعه الصحيح. أن يسترد القلب صلته بمن عصاه، وأن يرى الذنب في ضوء معرفة الله، لا في ضوء تبرير النفس. فكم من إنسان لا يعجزه أن يعرف أنه أخطأ، لكنه يعجز عن أن يواجه خطأه؛ فيسميه بغير اسمه، ويبحث له عن عذر، ويلقي بعض تبعته على الناس والظروف. أما حين يذكر الله، فإنه يخرج من دائرة المراوغة، ويقف أمام الحقيقة كما هي: أخطأت، وأنا محتاج إلى مغفرتك.
ولعل في ترتيب الآية إيحاءً عميقًا: ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم. فالاستغفار ثمرة الذكر؛ لأن من استحضر الله استحضر كذلك جلاله ورحمته، فاجتمع في قلبه خوفٌ يمنعه من الاستهانة، ورجاءٌ يمنعه من القنوط. ولو انفرد الخوف لأفضى بصاحبه إلى اليأس، ولو انفرد الرجاء لاتخذه بعض الناس ستارًا للإقامة على الذنب؛ أما الذكر فيرد القلب إلى الله كاملًا: يعرف أنه عصى ربًّا عظيمًا، ويعرف في الوقت نفسه أنه يقصد ربًّا رحيمًا يقبل التوبة.
ثم يقول: ﴿فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾. كأن الاستغفار اعتراف بأن ما حدث ليس زلةً بلا حقيقة، ولا فعلًا لا يستحق التوقف؛ إنه ذنب يحتاج إلى مغفرة. وفي اللام في ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ معنى التوجه والطلب: طلبوا من الله أن يغفر ذنوبهم، وأن يستر تبعتها، وأن يمحو أثرها، وأن يعينهم على ألا يعودوا إليها. فالاستغفار ليس كلمةً تُقال لتسكين الضمير، بل انكسارٌ صادق يقرّ بأن العبد لا يملك خلاص نفسه، وأنه محتاج إلى عفو الله.
وعند هذا الموضع يأتي السؤال الذي يردّ الإنسان إلى أصل الرجاء: ﴿وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾. ليس السؤال طلبًا لمعلومة مجهولة، بل تقريرٌ للحقيقة في صورة سؤال لا يترك للقلب مهربًا منها: من يملك محو الذنب على الحقيقة إلا الله؟ قد يلوم الناس، وقد يعاقبون، وقد ينسون، وقد يسامح بعضهم بعضًا؛ لكن مغفرة الذنب من حيث صلته بحق الله ومآله الأخروي لا يملكها إلا الله. وهنا يتحول السؤال إلى باب أمل: إن كان المغفِر هو الله، فإلى من يذهب المذنب إذا أراد النجاة؟ يذهب إليه وحده، بلا يأسٍ من رحمته ولا استهانةٍ بحقه.
وفي هذا التقرير أيضًا تحريرٌ للعبد من أسر الذنب. فليس لأحد أن يجعل خطيئة إنسانٍ حكمًا أبديًّا عليه؛ لأن التوبة تنقل الإنسان من حال إلى حال، والله هو الذي يغفر الذنوب. وقد يذكّر الناسُ التائبَ بماضيه، لكن ماضيه لا يملك أن يحجب عنه باب الله إذا صدق في رجوعه. وليس معنى ذلك أن التوبة تمحو كل تبعةٍ تتعلق بحقوق الناس؛ فحقوق العباد لها شأنها، وإنما المعنى أن باب المغفرة لا يملكه البشر، ولا يجوز أن يقطع أحدٌ رجاء التائب من رحمة الله.
ثم تحفظ الآية هذا الرجاء من أن يتحول إلى تهاون، فتقول: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فالمغفرة ليست إذنًا بمواصلة الذنب، والتوبة ليست حيلةً نؤجل بها الرجوع كلما استطعنا. ثمة فرق بين من يغلبه ضعفه ثم يندم ويجاهد نفسه، وبين من يعرف الحق ثم يتخذه وراء ظهره، مصرًّا عليه، مطمئنًّا إلى بقائه، أو مداومًا على تبريره.
والآية لا تشترط على التائب أن يضمن لنفسه العصمة في المستقبل؛ فالإنسان قد يضعف بعد التوبة، وقد يعاوده الذنب، فيحتاج إلى أن يعود إلى الله من جديد. لكنها تصف موقفًا واضحًا من الذنب: ألا يرضى به القلب، وألا يصرّ صاحبه عليه إصرار المستبيح أو المستهين. فهناك فرق بين عثرةٍ يحزن لها المرء ويقاومها، وبين طريقٍ اختاره ثم لم يعد يريد الخروج منه.
وفي قوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ إشارةٌ إلى أن العلم إذا حضر قامت الحجة على النفس. ليس كل جهلٍ عذرًا، ولا كل معرفةٍ تنفع؛ فالمعرفة التي لا توقظ صاحبها قد تصبح حجةً عليه. أن يعرف الإنسان حدَّ الله، ثم يصرّ على تجاوزه، هذا لونٌ من الخطر؛ وأن يعرف أنه أخطأ ثم يرجع مستغفرًا، فهذا العلم نفسه يصير بداية النجاة. فالآية لا تمدح معرفةً جامدة، بل معرفةً تنتج يقظةً وتوبة.
وتأمل كيف لم تختم الآية بقولها: «ثم غُفرت لهم»؛ بل عرضت الطريق الذي يسلكه القلب: وقوع، فذكر، فاستغفار، فإقرار بأن المغفرة لله، ثم انقطاع عن الإصرار. كأن القرآن لا يكتفي بأن يبشّر الإنسان بنهاية الطريق، بل يعلّمه كيف يبدأه. لا يخفي عنه حقيقة الذنب، ولا يتركه فريسةً له؛ يضع أمامه طريق العودة خطوةً خطوة.
ومن جمال الآية أنها لا تفصل بين الذكر والرحمة، ولا تفصل بين الرحمة والمسؤولية. تفتح للإنسان باب المغفرة، لكنها تضع أمامه صدق التوبة؛ وتواجهه بحقيقة الذنب، لكنها لا تطرده من رحمة الله. فلا يقول له: أنت معصوم لا تخطئ، ولا يقول له: أنت مذنب فلا أمل لك؛ بل يقول له: قد تضعف، فإذا ذكرت الله فارجع، وإذا رجعت فاستغفر، وإذا استغفرت فلا تُقِم على ما تعلم أنه خطأ.
وهنا يعود المعنى إلى الملاحظة الأولى: حتى حين يذكر القرآن المعصية، يذكر معها إمكان ذكر الله. لا يذكر ظلمة الذنب ليغلق على الإنسان منافذ النور، بل ليكشف له موضعه، ثم يدلّه على المخرج. فذكر الله يأتي في اللحظة التي قد يظن فيها المرء أن بينه وبين ربه مسافةً لا تُقطع؛ فإذا بالآية تردّه إلى أقرب طريق: اذكره، واستغفره، ولا تصرّ.
إنها آيةٌ لا تبرّئ الإنسان من خطئه، ولا تختزله فيه. تعترف بضعفه، وتوقظ ضميره، وتفتح له الرجاء، ثم تأخذ بيده إلى مسؤولية التغيير. وهذا هو التوازن القرآني البديع: لا يأسٌ يسحق النفس، ولا رجاءٌ يخدّرها؛ بل رجاءٌ ينهض بها لتعود.
See less

رداد السلامي
