مقالات وخواطر وافكار

[قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ]هود(٧٢)

Spread the love

هذه الآية لا تصف مجرد دهشة امرأةٍ بُشِّرت بالولد في سنٍّ متقدمة؛ بل ترسم لحظةً يلتقي فيها حساب الإنسان بقدرة الله. قالت سارة عليها السلام: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. تأمّل كيف استحضرت أمام البشارة معطيات الواقع كلها: أنا عجوز، وزوجي شيخ. وكأن العقل البشري حين يسمع وعدًا يتجاوز المألوف يفتح فورًا دفتر الأسباب ويسأل: كيف؟ وليس في قولها شكٌّ في قدرة الله، وإنما هو تعجّب من الطريقة التي ستجري بها القدرة.

فالإنسان قد يؤمن بأن الله على كل شيء قدير، ثم يندهش عندما تقع القدرة في حياته هو، وفي الموضع الذي كان قد أغلقه في ذهنه ووضع عليه عبارة: «انتهى». وهنا يأتي الجواب بعدها مباشرة: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. وهذه الجملة هي مفتاح المشهد كله. لم يقولوا لها: لستِ عجوزًا. ولم يقولوا: إبراهيم ليس شيخًا. فالأسباب التي ذكرتْها صحيحة، والواقع الذي وصفته حقيقي. لكن الخطأ الذي يصنع العجب هو أن نظن أن الأسباب هي آخر الكلام. قالت: أنا عجوز. وقالت: وهذا بعلي شيخًا. فجاء الرد: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

كأن القرآن ينقل النظر من ثلاثة أشياء: العمر، والجسد، والسنن المعتادة؛ إلى شيء واحد أعلى منها جميعًا: أمر الله. وهذه من دقائق التربية القرآنية: أن الإيمان لا يطلب منك إنكار الأسباب، وإنما يطلب منك ألا تجعل الأسباب حدودًا لقدرة الله. والتعبير: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ بالغ الدقة. لم تقل: مستحيل، وإنما قالت: عجيب. فالمستحيل نفيٌ للإمكان، أما العجيب فهو الإقرار بالوقوع مع الدهشة من كيفية وقوعه. ولعل أجمل ما في الآية أن البشارة جاءت عند النقطة التي بلغ فيها العجز البشري تمامه: امرأة عجوز، ورجل شيخ. أي أن الأسباب لم تكن ضعيفة فقط، بل تكاد تكون قد انقطعت.

وهنا يظهر الفرق بين العطاء الذي تجري به السنن والعطاء الذي يريد الله أن يجعل منه آية. فبعض النعم تأتيك لأن الأسباب نضجت، وبعضها يأتيك بعدما تذبل الأسباب؛ حتى لا تنسبها بعد ذلك إلا إلى الله. وفي قولها: ﴿وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ ملمح إنساني بديع؛ فهي لا تنظر إلى نفسها وحدها، بل تجمع طرفي المعادلة البشرية: «أنا» و«هذا بعلي». وكأنها تقول: جهة الإمكان من ناحيتي مغلقة، ومن ناحيته كذلك. عندئذ يأتي الوحي ليضيف إلى المعادلة طرفًا لم يدخل في الحساب البشري: الله. وحين يدخل أمر الله في معادلةٍ ما، لا تبطل السنن، ولكنها لا تعود صاحبة الكلمة الأخيرة.

ولهذا يمكن أن تكون الآية قاعدة في الرجاء: لا تقل: كيف يحدث، وقد انتهت أسبابه؟ بل قل: ماذا لو أراد الله أن يبدأ من حيث انتهت الأسباب؟ فسارة عليها السلام كانت ترى الشيخوخة، والملائكة كانوا يرون أمر الله. والإنسان كثيرًا ما يعيش بين هاتين الرؤيتين: هو يرى العمر، والتأخر، والعجز، وانسداد الطريق؛ والوحي يذكّره دائمًا بأن فوق كل ذلك: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. وهنا يتغير معنى «العجيب»: فما كان عجيبًا في حساب البشر يصبح، إذا نُسب إلى قدرة الله، أمرًا لا موضع للعجب من إمكانه، وإنما العجب كل العجب في جمال توقيته وكيفية مجيئه.

✍🏻

رداد السلامي

اترك تعليقاً