مقالات وخواطر وافكار

لماذا قال الله عز وجل (ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ) لماذا خص الهداية به للمتقين فقط؟

Spread the love

القرآن الكريم نزل في أصله رحمةً ودعوةً عامة للناس كافة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، لكنّه في مطلع سورة البقرة حين قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، نقل مفهوم الهداية من إتاحة الطريق وعرضه (هداية الدلالة والبيان) إلى سلوك الطريق وتحصيل أثره (هداية التوفيق والانتفاع).

تخصيص المتقين هنا ينطوي على أبعاد تدبّرية وبيانية عميقة:

1. تقبّل المحل وقابليّة البصيرة

النور لا يُبصر به إلا من كان له بصر سليم، والمطر الصيب لا يُنبت الزهر إلا في الأرض الطيبة؛ كذلك الوحي. القرآن هدى مبذول للجميع، لكن المحلّ القابل وحده هو الذي يثمر فيه الهدى.

المتّقي يحمل في فطرته “حاسة التقوى”؛ أي التحرّز الفطري من الضلال، والخشية من العاقبة، والبحث الصادق عن الحق مجرداً من الهوى والاستكبار. هذا التأهب النفسي هو الشرط الوجودي لتتحول الحروف من كلمات تُقرأ إلى حياة تُعاش.

2. هداية الدلالة مقابل هداية الانتفاع

الهداية في القرآن على مرتبتين:

. هداية البيان والدلالة: وهذه عامة لكل البشر، تقيم عليهم الحجة وتكشف لهم السبيل، وبها وُصف القرآن بأنه ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾.

. هداية التوفيق والرشد والانتفاع: وهي خاصة بمن استجاب وقَبِل، وبها صار القرآن ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾. فمن لم يتّقِ الله في طلب الحق، غدا القرآن في حقه عَمًى وحسرة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فالحرمان لم يكن نقصاً في النور، بل عمى في العين المعرضة.

3. ثنائية: التقوى كمدخل، والتقوى كثمرة

هناك لطيفة بلاغية في تعليق الحكم بالوصف؛ فالتقوى في الآية تعمل في مستويين:

. تقوى أولى (شرط الابتداء): وهي اتقاء العناد، والكبر، والتحرر من أسر الهوى، والتوق إلى معرفة الصواب. بهذا الاستعداد يدخل العبد إلى القرآن فيهديه.

. تقوى ثانية (ثمرة الانتهاء): كلما اهتدى بآية، أورثته خشية وعملاً وتقوى أعلى، فترفعه الآية التي تليها إلى هدىً أعمق: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾.

فخُصّ المتقون بالذكر لأنهم وحدهم الذين تحرّكت فيهم الحياة حين مسّهم الوحي، فصار الكتاب لهم دليلاً، بينما بقي عند غيرهم نصاً محجوباً وراء أكنة القلوب وأقفالها.

🔻التأمل في الصفات الخمس للمتقين التي افتتحت بها السورة وعلاقتها بهذا الهدى :

🔻حين شرع القرآن في تعريف هؤلاء “المتقين” الذين حازوا شرف الهداية، لم يسرد صفاتهم اعتباطاً، بل رتّبها في معمارٍ وجودي متصاعد يربط داخل الإنسان بخارجه، وغيبه بشهوده، وتاريخه بمصيره:

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.

هذا النسق القرآني يكشف كيف تتخلّق قابلية الاهتداء عبر خمسة أركان:

1. الإيمان بالغيب: كسر القفص الحسي وتوسيع أفق الإدراك

بدأ بـ الإيمان بالغيب لأنه العتبة الأولى لتحرير الوعي. العقل المنكفئ على المادة وحدها عقل أعمى عن حقائق الوجود الكبرى؛ فهو يقيس الحقيقة بما يلمسه أو يراه فقط، فيضيق عن استيعاب الوحي.

المتّقي هنا يبدأ بكسر صنمية المحسوس، فيقرّ بأن ما غاب عن حواسه أعظم مما أدركته. هذا الانفتاح المعرفي على الغيب هو الذي يجعل قلبه مهيأً لتلقي كلام الله دون أن يصطدم بحواجز الشك المادي، فالقرآن كله خطاب يربط المنظور بغير المنظور.

2. إقامة الصلاة: هندسة الصلة وضبط البوصلة الروحية

لم يقل “يصلّون”، بل ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، والإقامة تقويمٌ للبناء وحفظٌ للأركان واستدامة للحضور.

إذا كان الإيمان بالغيب تصوراً ذهنياً ووجدانياً، فإن إقامة الصلاة هي الممارسة اليومية الحية التي تمنع ذلك الإيمان من التبخر. إنها الوقوف المتكرر أمام المصدر المطلق للنور، مما يُبقي جهاز الاستقبال في روح المؤمن صافياً من شوائب الغفلة، فتظل آيات القرآن تجد قلباً يقظاً لا تصدأ مرآته.

3. الإنفاق مما رُزقوا: فك أسر التملك وتحرير الإرادة

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ليست مجرد بذل مالي، بل هي ثورة على الشح الإنساني. التعبير بـ ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ يجرّد الإنسان ابتداءً من وهم الملكية المطلقة؛ المال ليس مالك، بل أنت مستخلف فيه.

القرآن يدعو إلى التضحية والعدل والتجرد، ومن كان عبداً للمال وأسيراً لحسابات الشح لن يقوى على اتباع هدى القرآن الذي يطلب التحرر والبذل. الإنفاق هنا هو تطهير للنفس من عبادة الأنا، وبدون هذا التطهير يستحيل أن يقود الهدى سلوك صاحبه.

4. الإيمان بالكتاب والكتب السابقة: وحدة الحقيقة الكونية والوعي التاريخي

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يرفع المتّقي من ضيق العصبية والأنانية القومية إلى رحابة التاريخ النبوي المتصل.

هو لا يرى رسالة محمد ﷺ حدثاً معزولاً، بل ختاماً لنور ممتد من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. هذا الوعي بالتسلسل الرسالي يعصم العقل من الكبر والتعصب، ويجعله يرى القرآن مهيمناً ومصدقاً، فيكتمل عنده فهم مسيرة الروح الإنسانية تحت مظلة الوحي الإلهي الواحد.

5. اليقين بالآخرة: تثبيت ميزان المعنى وحسم العاقبة

خُتمت الصفات بأعلى درجات المعرفة: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. لم يقل “يؤمنون” بل “يوقنون”؛ لأن اليقين هو العلم الذي لا يخالجه ريب، وهو النتيجة الحتمية لمن آمن بالغيب واستقام على الوحي.

الشك في المآل يجعل الإنسان تائهاً يساوم على مبادئه؛ أما حين تستقر الآخرة في الوعي كحقيقة شاخصة، يستقيم ميزان القيم بالكامل. عندها تصبح كل مشقة في سبيل اتباع القرآن يسيرة، وتغدو مغريات الانحراف سراباً.

بهذه المنظومة المتكاملة — عقل متحرر من أسر المادة (الغيب)، وروح مشدودة إلى الله (الصلاة)، ويد مبسوطة بالخير متحررة من الشح (الإنفاق)، وبصيرة منفتحة على تراث النبوة (الكتب)، وإرادة محكومة بالحساب والخلود (اليقين) — يغدو المتّقي كائناً سويّ الفطرة، فيلتقي نور فطرته المهيأة بنور القرآن النازل، وتكون النتيجة الحتمية:

﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ التعبير بـ ﴿عَلَىٰ﴾ للدلالة على التمكن والاستعلاء؛ كأن الهدى قد صار لهم مركباً وضيئاً يرفعهم فوق وحول الأرض وتيه الشكوك.

See less

✍🏻

رداد السلامي

اترك تعليقاً