مقالات وخواطر وافكار

[وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ(٢٧) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ(٢٨)] الرعد

Spread the love

قال صديقي : لماذا برأيك يا رداد قرن طلبهم بإضلاله من يشاء وهدايته لمن أناب ؟!

ثم استرسل في تأمل الاية الثانية …

📩قلت له : يا صديقي، جاء ذكر الإضلال والهداية جوابًا عن طلبهم؛ لأنهم جعلوا المشكلة في الآية التي لم تأتِ وفق اقتراحهم، فجاء الجواب يكشف أن المشكلة في كيفية تلقّيهم للآيات التي جاءت بالفعل. إن رؤية الدليل، والاهتداء به، أمران بينهما صلة، ولكنهما لا يتطابقان بالضرورة؛ فقد يظهر الحق للإنسان ثم يقاومه لما يقتضيه قبوله من تغيير نفسه وموقفه.

وهنا تفصيل في لفظ الآية يفتح المعنى: قال سبحانه ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾؛ فلم يأتِ الشطر الثاني هنا بلفظ «ويهدي من يشاء»، مع أن الهداية كلها بمشيئته، وإنما ذكر الإنابة، فوضع أمام المخاطبين سبيل الاهتداء في الموضع نفسه الذي بيّن فيه سلطان مشيئته.

طلبوا آيةً تنزل، فدُلّوا على قلبٍ يرجع.

والمعنى، كما يوضحه ابن كثير، أن حصول الهداية لا يتوقف على إجابتهم إلى الآية التي اقترحوها؛ فالله هو الهادي، والإنابة إليه تشمل الرجوع والاستعانة والتضرع. فليس في الجواب إلغاء لحجية الآيات، وإنما إبطال لوهمهم أن الآية المقترحة تضمن إيمانهم حتمًا.

تأمل الفرق بين إنسان يقول: «أرني الحق لأتبعه»، وإنسان يظل يقول للحق: «لن أتبعك حتى تظهر بالصورة التي أختارها لك». الأول يطلب الهداية، والثاني قد يجعل طلب الدليل وسيلة لإرجاء الاستجابة. وليس كل سؤال عن الدليل تعنتًا؛ إنما الكلام هنا عن قوم واجهوا ما جاءهم بالتكذيب، ثم جعلوا اقتراح المزيد حجة لاستمرارهم عليه.

ولهذا لا تُقرأ المشيئة هنا باعتبارها بابًا مغلقًا لا سبيل للعبد إليه؛ فخاتمة الجواب نفسها تقول: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾. إنها تنزع من الإنسان دعوى التحكم في الهداية، وتدعوه إلى الافتقار إلى واهبها. لا يملك أن يستغني عن الله بعقله، ولا أن يتخذ افتقاره إلى الله عذرًا للإعراض عنه. وفي ضوء قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، نفهم أن اختيار العبد وإعراضه ليسا خارج هذه القضية، وأن مشيئة الله لا تنفصل عن حكمته وعدله.

ثم تأمل هذه الكلمة الصغيرة: ﴿إِلَيْهِ﴾.

غاية الهداية المذكورة هنا متصلة بالله: يهديه إلى الإيمان به وطاعته والقرب منه. ومن هنا يمكن أن نتأمل الفرق بين من يريد أن ينتصر في السؤال، ومن يريد أن يصل إلى ربه؛ فقد تنتهي مناظرة ويبقى القلب في غربته، وقد يستقبل الإنسان آية بصدق فتفتح له سبيل الرجوع.

وعند هذه النقطة تأتي الآية الثانية كأنها تكشف لنا ما يحدث في قلب الراجع:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.

إنها متصلة بما قبلها اتصالًا عميقًا: أولئك يطلبون آية أخرى، وهؤلاء يجدون فيما أنزل الله هداية وطمأنينة. وقد نبّه ابن عاشور إلى المقابلة بين الفريقين؛ فطلب الكافرين يتضمن عدم اعتدادهم بالقرآن آية، بينما تطمئن قلوب المؤمنين بذكر الله، ومن معانيه هنا القرآن.

وفيما يأتي تأمل في هذه الصلة، على أساس ذلك المعنى:

قد نتوهم أن القلب لا يطمئن حتى يعرف كل شيء: لماذا وقع هذا؟ ومتى ينتهي ذاك؟ وما الذي ينتظرني؟ وكيف سيأتي الفرج؟ لكن القرآن يفتح له بابًا يستطيع الدخول منه وهو لا يزال يجهل كثيرًا من تفاصيل الطريق: أن يعرف ربَّه، ويثق بخبره ووعده.

فالإنسان لا يُعطى خريطة الغيب كلها، ولكنه يُعطى من معرفة الله ما يسند قلبه في مواجهة الغيب. يعرف أن علمه لا يغيب عنه، وأن عدله لا يضيّع حقه، وأن رحمته أوسع من تقديره، وأن الموت لا يبطل معنى الحياة ولا يذهب بأعمالها سدى. وكل معنى من هذه المعاني يردّ شيئًا من تشتته إلى السكينة.

الذكر، بهذا الاعتبار، يعيد الحقيقة الغائبة إلى موضع التأثير في النفس. فقد يعلم الإنسان أن الله رازق، ثم يشتد خوفه حتى يعيش كأن رزقه متروك للمصادفة؛ ويعلم أن الله مطّلع عليه، ثم تستبد به الوحدة حتى يشعر أن أحدًا لا يعلم وجعه؛ ويعلم أن هناك آخرة، ثم تكبر خسارة عابرة في عينه حتى تبدو كأنها خسارته النهائية.

وحين يذكر الله، يستعيد قلبه صلته بهذه الحقائق. لا يضيف إلى ذهنه معلومة فحسب؛ بل يسترد المعنى قدرته على حمله.

ولهذا لا ينبغي اختزال الذكر في صوت يجري على اللسان منفصلًا عن معناه، وإن كان ذكر اللسان عبادة عظيمة وبابًا لحضور القلب. يدخل في الذكر تلاوة القرآن، وتذكر أسماء الله ووعده، والتسبيح والدعاء؛ وكلما وافق اللسانُ القلبَ كان نصيب الإنسان من حياة الذكر أعظم. وقد بيّن السعدي أن الطمأنينة بالقرآن تتصل بمعرفة معانيه وما فيه من الحق والبراهين التي تورث العلم واليقين.

ولعل من أجمل ما يُتأمل في قوله: ﴿وَتَطْمَئِنُّ﴾ مجيء الفعل بصيغة المضارع؛ ففيه معنى يتجدد: يتعرض القلب لما يقلقه، ثم يعود إلى ذكر ربه فيجد ما يثبته. يحتاج الإنسان إلى هذا الرجوع مرارًا؛ لأن أحداث الحياة لا تتوقف عن مخاطبة مخاوفه ورغباته.

والطمأنينة لا تقتضي أن يجف دمعه أو ينعدم حزنه. قد يحزن المؤمن ويظل واثقًا بربه، ويخاف مما أمامه ويظل مؤمنًا بحكمته.

فلا يصح أن نحاكم إيمان إنسان بمجرد ما يعانيه من قلق أو ألم. الطمأنينة التي نتأملها هنا أعمق من انشراح عابر: استقرار الصلة بالله، حتى حين تتحرك النفس تحت وطأة المصاب.

ثم تأتي الجملة الثانية:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

بدأ الكلام بوصف قلوبهم، ثم اتسع إلى تقرير موطن الطمأنينة. وجاءت ﴿أَلَا﴾ توقظ الانتباه، وتقدّم ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ليقع الضوء على ما تتعلق به هذه السكينة. فالقلب قد يستريح إلى مال أو صحبة أو نجاح، وهذه أسباب راحة حقيقية، لكنه يظل يعرف أن ما يستريح إليه قابل للفقد. وحين يتعلق بالله يجد مرجعًا لا تزول قدرته بزوال الأسباب.

وهنا يلتئم معنى الآيتين في صورة مؤثرة: قلبٌ يؤجل استجابته حتى يتغير ما أمامه، وقلبٌ ينيب فيتغير تلقيه لما أمامه. الأول ينتظر مزيدًا من الآيات، والآخر يبصر في ذكر الله ما يهديه ويسكنه.

ومن هذه المقابلة يخرج سؤال يصلح أن نحمله معنا ونحن نقرأ القرآن: هل أنتظر منه أن يوافق شروط قلبي، أم أقبل عليه مستعدًا لأن يصحح قلبي؟

فقد تكون الآية التي نحتاج إليها قد مرّت بأعيننا مرات؛ وما نحتاج إليه الآن رجعةٌ صادقة، نسمع بها ما كنا نقرأه

✍🏻

رداد السلامي

اترك تعليقاً