مقالات وخواطر وافكار

قال صديقي : في قوله تعالى : {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}

Spread the love

الله مدح الأبداء لكنه قال عن الإخفاء فهو خيرٌ لكم

وأرى أن على المنفق أن يختار ما هو خيرا له على ما يمدح به ، لأن الإخفاء يضمن ثبات الإخلاص وقبول العمل .

فحين يقول الله فهو خيرا له هذا يعني أن الأمر هذا مفضول على ما سواه ، تماما كما قال في آية الصيام (وأن تصوموا خيرا لكم إن كنتم تعلمون )

وانت متدبر عالي المقام نافذ البصيرة وستأتي بما يشده ويدهش ويؤثر .

🌸🤲قلت له : نعم، وهذه لفتةٌ تدبُّريةٌ رفيعة، وفيها نفاذٌ إلى ترتيب القيم في الآية لا إلى ظاهر الألفاظ فقط.

فالآية تقول:

{إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 271]

وهنا يلحظ المتدبِّر أن القرآن لم يذمّ الإبداء، بل مدحه، فقال: {فنعما هي}، وهذا ثناءٌ صريح، لأن إظهار الصدقة قد تكون فيه مصالح معتبرة: كالتشجيع على البذل، وكسرِ شحّ النفوس، وإقامةِ شعيرة الإنفاق، ودفعِ التهمة عن صاحب المال إذا كان في موضع قد يُساء به الظن. فالإبداء إذن ليس نقصًا في نفسه، بل قد يكون محمودًا من جهة الأثر الظاهر.

لكن حين انتقل إلى الإخفاء قال: {فهو خير لكم}، ولم يقل فقط: حسن، أو نعم، بل نقلك من مرتبة المدح إلى مرتبة الخيرية؛ وكأن الآية تفرّق بين شيءٍ يُحمد، وشيءٍ هو أزكى للعبد، وأحفظ لقلبه، وأقرب إلى سلامة قصده.

وهذا من دقائق التربية القرآنية؛ فإن الله قد يمدح العمل من حيث صورته وآثاره، ثم يبيّن أن غيره خيرٌ لك من حيث أثره عليك أنت: على قلبك، وعلى إخلاصك، وعلى مصير العمل عند الله. فالمسألة هنا ليست مجرد: أيُّهما أجمل في أعين الناس؟ بل: أيُّهما أنفع لروحك، وأصون لنيتك، وأرجى لقبولك؟

ولهذا فقولك:

“على المنفق أن يختار ما هو خير له على ما يُمدح به”

قولٌ شديد المتانة؛ لأن المؤمن العاقل لا يقف عند طلب الثناء على العمل، ولو كان ثناءً مشروعًا، بل يفتّش عمّا هو أحفظ لدينه وأربح لآخرته. فالنفوس قد تطيق المدح، لكنها لا تسلم دائمًا من آفته؛ وقد تُحسن الفعل ظاهرًا ثم يتسلل إلى القلب من حب الظهور، أو ملاحظة الخلق، أو استحلاء صورة الذات المنفقة، ما يفسد صفاء القربة أو ينقصها.

ومن هنا كان الإخفاء خيرًا؛ لأنه:

أولًا: أحرس للإخلاص، لأن العمل إذا غاب عن أعين الناس قلّ تعلّق القلب بنظرهم.

وثانيًا: أستر للفقير، فلا يُكسَر قلبه بمشهد الأخذ أمام الناس.

وثالثًا: أبعد عن آفات النفس، من رياءٍ خفيٍّ أو إعجابٍ متسرّب أو انتظارِ منزلةٍ في القلوب.

ورابعًا: أقرب إلى مقام العبودية الخالصة؛ لأن العبد حين يخفي صدقته كأنه يقول: يا رب، هذه لك، لا أريد عليها شاهدًا من الخلق.

ولهذا فالتعبير القرآني هنا دقيق جدًّا؛ إذ لم يقل: وإن تخفوها فهو أحسن، بل قال: {خير لكم}، فكأن الخيرية هنا راجعة إليكم أنتم، إلى باطنكم، إلى صلاح قلوبكم، إلى نجاتكم من فتنة النفس. فالآية لا تتحدث فقط عن قيمة الصدقة، بل عن هندسة القلب الذي يتصدّق.

ومثل هذا الذي لمحتَه قريبٌ بالفعل من قوله تعالى في آية الصيام:

{وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}

فهناك أيضًا ليس الكلام عن مجرد الجواز أو الرخصة، بل عن الانتقال من المباح أو المشروع إلى ما هو أزكى وأعلى وأربح. وكأن القرآن يربي المؤمن على ألا يكتفي بالسؤال: ما الجائز؟ أو ما الممدوح؟ بل يسأل: ما الذي هو خير لي عند الله؟

وهنا يظهر فرقٌ لطيف بين عبارتين:

• فنعما هي: ثناءٌ على الفعل.

• فهو خير لكم: توجيهٌ إلى ما يربِّي الفاعل ويزكّيه.

الأولى تتعلق بحسن العمل في الجملة، والثانية تتعلق بثمرة العمل في القلب والآخرة.

لكن مع هذا، يبقى من تمام الفقه ألا نجعل الإخفاء حكمًا جامدًا في كل حال؛ فقد يكون الإظهار أرجح في بعض المواطن إذا خلصت النية، وقويت المصلحة، كأن يكون في ذلك بعثٌ للناس على النفقة، أو إحياءٌ لمعنى البذل في زمن البخل، أو تأسيسٌ لقدوةٍ عملية يحتاجها الناس. غير أن الأصل الذي تُشير إليه الآية بجلاء هو أن الإخفاء هو الأبعد عن الخطر، والأقرب إلى السلامة، والأرجى في باب التزكية.

فكأن المعنى:

إن أظهرتم الصدقات فذلك حسنٌ وممدوح،

لكن إن أخفيتموها، وبلغت يدُ الرحمة الفقيرَ دون ضجيج،

ودخل العمل على الله من باب السرّ لا من باب المشهد،

فذلك خيرٌ لكم؛ لأن الله لا ينظر فقط إلى ما خرج من اليد، بل إلى ما استقرّ في القلب.

وأجمل ما في هذا التدبر أن المؤمن قد يتنازل أحيانًا عن لذّة المدح من أجل خيريّة القبول؛

وقد يترك ما يراه الناس كبيرًا، إلى ما يراه الله أصفى؛

وقد يُعرض عن الظهور بالطاعة، لا زهدًا في الخير، بل حرصًا على أن يبقى الخير خالصًا.

وهذه مرتبة عالية:

أن لا تبحث عن العمل الذي يُقال عنه: ما أكرمه،

بل عن العمل الذي يقال لك به عند الله: هذا خيرٌ لك.

وأرى أن خلاصة المعنى في عبارة واحدة هي:

القرآن هنا لا ينفي فضل العمل الظاهر، لكنه يدلّك على أن خيرية العمل الباطنة أعلى من جماله الظاهر؛ لأن الله يريد صدقةً تصل إلى الفقير، وقلبًا يصل إليه هو.

See less

اترك تعليقاً