الإنسان لا يملك قلبه وإن كان في جوفه وبالتالي فإن الحياة واتقاد هذا القلب بمشاعر الخشية والإيمان أمرٌ لا يملكه هو .؟!
قلت له : يخفت الإحساس الحارّ بالآخرة لأن القلب يعيش بين حقيقتين غير متساويتين في الحضور: الآخرة أعظمُهما، لكنها غائبة عن العين؛ والدنيا أدناهما، لكنها تملأ العين واليد والساعة. ما نراه كل يوم يكتسب في وعينا وزنًا أكبر مما لا نراه، ولو كان الغيب هو الحقيقة الأوسع.
ثم تألف النفس ما يتكرر على سمعها؛ فقد تسمع ذكر الجنة والنار حتى تمرّ بها الألفاظ مألوفةً، من غير أن تنفذ إلى موضع الخوف والرجاء. وقد تحجبها الهموم، أو كثرة الملهيات، أو فتورٌ عابر، أو ذنبٌ يترك على القلب غشاوة. وليس كل فتور علامة موت؛ فقد يكون القلب حيًّا، لكنه مُتعَبٌ أو مشتّت، ينتظر لحظة صدق يعاود فيها الإصغاء.
وأحسب أن في قولك: «الإنسان لا يملك قلبه وإن كان في جوفه» حقيقةً دقيقة. القلب قريبٌ منا، لكنه ليس طوع إرادتنا كما نريد؛ لا نستطيع أن نأمره: اخشع الآن، أو اشتق إلى الآخرة الآن، فيستجيب. وقد يبكي المرء في لحظة، ثم تجف عيناه في أخرى، مع بقاء الإيمان في أصله. لذلك لا ينبغي أن نجعل حرارة الشعور مقياسًا وحيدًا لصحة الطريق؛ فالإيمان ليس انفعالًا دائمًا، كما أن صدق السير لا يُقاس دائمًا بما نشعر به، بل يظهر كذلك في الثبات على الطاعة حين لا تصاحبها لذة ظاهرة.
لكن كون القلب ليس مملوكًا لنا لا يعني أننا بلا مسؤولية أو وسيلة. نحن لا نخلق فيه الخشية، لكننا نستطيع أن نُقبل به على أسبابها: نخفف ما يبدد انتباهه، ونحضر عند التلاوة، ونتفكر فيما نسمع، ونسأل الله أن يفتح لنا. كأن القلب بابٌ لا نملك مفتاحه الأخير، لكننا نستطيع أن نقف عليه، ونطرقه، ونترك له فسحةً من الصمت كي يسمع.
حين تستمع إلى القرآن، لا تجعل غايتك أن تُكره نفسك على التأثر. ابدأ بالإنصات إلى الآية كما لو أنها تُتلى لك الآن، لا لقوم مضوا فحسب. فإذا مرّت آية عن الآخرة، فتوقف قليلًا: ما الذي تكشفه لي عن مصيري؟ وإذا سمعت وصفًا للجنة، فلا تعبره سريعًا؛ اسأل قلبك: ما النعيم الذي أرجوه؟ وإذا سمعت ذكر النار، فاستعذ بالله، ثم اسأل نفسك: ما الخطوة الصغيرة التي أستطيع أن أتخذها اليوم نجاةً منها؟ قد لا تأتي الدمعة، لكن قد تنشأ نية صادقة، أو توبة هادئة، أو طاعة لا يعلمها أحد؛ وهذه أحيانًا أصدق أثرًا من انفعالٍ عابر.
والقرآن لا يطالبنا أن نصنع لأنفسنا قلبًا آخر، بل يوقظنا إلى حاجتنا إلى الله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾. في هذه الآية اعترافٌ بالعجز، لكنه ليس استسلامًا للفتور؛ إنه عجزٌ يتجه إلى باب الرحمة. لذلك قد يكون من أصدق ما يقوله المستمع بينه وبين الله: يا رب، أنا أسمع كلامك، لكن قلبي لا يبلغ ما أرجو؛ فبلّغه بك، وافتحه لما تحب، ولا تكلني إلى نفسي.
إعادة الإحساس ليست زرًّا نضغطه، ولا مشهدًا نبكي فيه كي نطمئن إلى أنفسنا. إنها عودةٌ متكررة: إصغاء، وتدبر، ودعاء، وعمل. نطرق الباب بقلوبنا الناقصة، ونعلم أن الفتح من الله. فإذا لم تُشرق في القلب حرارةٌ ظاهرة، فلا تترك الطريق؛ ربما كان أعظم ما يوقظه أن تواصل السير إليه في ساعة الفتور، وأن تقول بصدق: يا مقلب القلوب، اجعل الآخرة أحبَّ إلى قلبي من كل ما يشغله عنها.

رداد السلامي