مقالات وخواطر وافكار

ملخص إبداعي لرواية الكاتب رداد السلامي التي فازت في مسابقة بصمة للرواية الأدبية التي نظمتها دار “دار رواية” وحصلت على المستوى الثاني :

Spread the love

ليست «ما زلنا على جبل الرماة… لم نبرح أماكننا» روايةً عن معركة أُحد، بل عن أُحد التي تتكرر داخل الإنسان كلما لمع في السفح شيءٌ يشبه الذهب، وكلما جاءه صوتٌ ناعم يقول له: لقد انتهى الأمر، تستطيع الآن أن تغادر موضعك.

بطل الرواية سليم بن ناصر، كاتبٌ قليل الظهور، كثير القلق، ورث عن أبيه الفقير وصيةً بدت له في طفولته غامضة:

«لا تنزل عن الجبل ولو رأيت الناس يجمعون الذهب.»

يموت الأب، لكن الجملة لا تموت. تكبر في صدر سليم حتى تتحول من ذكرى عائلية إلى ميزانٍ يزن به نفسه ومدينته وأصدقاءه. فالمدينة التي يعيش فيها لم تسقط فجأة، وإنما بدأت هزيمتها يوم غيّرت أسماء الأشياء: صار الخوف حكمة، والمداهنة اتزانًا، والتنازل نضجًا، والصمت عن الباطل مراعاةً للمآلات، والنزول عن موضع الحراسة انتقالًا إلى مساحة تأثير أوسع. ولم تعد الخيانة ترتدي وجه الخيانة؛ صارت أنيقة، مثقفة، تتكلم بلغة المصالح الكبرى.

في مقهى صغير يجتمع سليم مع ثلاثة أصدقاء: عمار الشاعر الذي يرى الكلمة معركة، وياسر المتزن الذي يراها ميزانًا، ونديم الذكي الطموح الذي يراها جسرًا إلى الناس. يكتب الأربعة «ميثاق الرماة»، ويتعاهدون ألا يبيعوا المعنى، وألا يجعلوا السلامة مقدمةً على الحق، وألا يتحولوا إلى ما كانوا يقاومونه.

لكن العهود لا تُختبر ساعة كتابتها؛ تُختبر حين تبدأ الغنائم باللمعان.

يفتح العالم لنديم أبوابه: منصة، ثم لجنة، ثم مؤسسة، ثم قربٌ من أصحاب النفوذ. ولا ينزل نديم عن الجبل دفعةً واحدة؛ يهبط درجةً درجة، وفي كل درجة يمنح نزوله اسمًا جميلًا: توسيع الأثر، إدارة الاختلاف، بناء الجسور، المشاركة في صناعة القرار. كان لا يزال يستخدم الكلمات القديمة، لكن الكلمات لم تعد تشير إلى المعاني نفسها. لم يكن يكره الحق، بل كان يكره الخسارة؛ ومن هنا بدأ سقوطه الحقيقي.

ويتفرق الآخرون في امتحاناتهم الخاصة. يساوم الفقر عمارًا على صوته، ويكاد غضبه يحول الحق في يده إلى سلاحٍ أعمى. يضل ياسر طويلًا داخل دهاليز التبرير المؤسسي، حتى يكتشف أن الحياد قد يكون أحيانًا اسمًا مهذبًا لترك الظهر مكشوفًا. أما مريم، التي تدخل الحكاية بوصفها قارئةً ناقدة ثم تصبح من حراسها، فتذكّرهم بأن الثبات لا يبرر القسوة، وأن الإنسان قد يحرس الحقيقة في الخارج بينما تأكله الغنيمة من الداخل.

وسط ذلك كله يكتب سليم روايته؛ والرواية التي نقرؤها هي، على نحوٍ ساحر، الرواية التي يحاول أن يكتبها داخل الرواية. إنه لا يدوّن سقوط الآخرين فحسب، بل يراقب قلبه أيضًا: هل أصبح يحب صورة الحارس أكثر من الحراسة؟ هل تحولت صلابته إلى كبرياء؟ هل يكتب لينقذ المعنى، أم لينتصر على خصومه؟ وهنا يبلغ العمل أعمق طبقاته؛ فالجبل لا يختبر النازلين وحدهم، بل يختبر الواقفين أيضًا، ولا يمنحهم تصفيقًا ولا شهادةً بأنهم أطهر من سواهم.

ينشئ سليم ورفاقه «مجلس المعنى»؛ مساحةً صغيرة لا تسعى إلى حشد الجماهير، بل إلى إعادة الأسماء إلى حقيقتها، وتربية جيلٍ يعرف الفرق بين المشاركة والذوبان، وبين الرحمة والتنازل، وبين الواقعية التي ترى الطريق والواقعية التي تبيع الوجه. وفي المقابل، يحاول نديم ومؤسسته صناعة ذاكرة جديدة توحي بأن زمن الحراسة انتهى، وأن من بقي على الجبل أسيرٌ للماضي.

ثم يقف نديم على المنصة ويعلن بثقة: «المعركة انتهت.»

لكن تلك العبارة، بدل أن تنهي المعركة، توقظ السؤال في المدينة كلها. وحين يعود نديم إلى وحدته، يكتشف أن التصفيق الذي ملأ القاعات لم يستطع إسكات الرجل القديم في داخله. يرسل إلى سليم سؤالًا موجعًا:

«وهل تركتَ لي طريق عودة؟»

يلتقيان عند قبر الأب، في المكان الذي تسقط فيه الزينة كلها، ويعترف نديم بأنه لم يفقد موقعه فقط، بل فقد وجهه. غير أن الرواية لا تمنحه توبةً مسرحية تمحو الماضي، ولا تجعل أصدقاءه يعانقونه كأن شيئًا لم يكن. يعود متعبًا، مثقلًا بما صنع، ويبدأ استرداد ملامحه ببطء؛ فالاعتذار ليس بيانًا أنيقًا، والعودة ليست لحظة، بل طريقٌ يصعده الإنسان بقدميه ويدفع فيه ثمن كل خطوة نزلها.

تنتهي الرواية من دون انتصارٍ كامل: المدينة لم تتب كلها، والمؤسسات التي قلبت الأسماء لم تسقط، والغنائم ما تزال تلمع، والحراس أنفسهم لم يتحولوا إلى ملائكة. لكن شيئًا صغيرًا وحاسمًا بقي حيًّا: جماعةٌ تراجع نفسها، وذاكرةٌ لم تُمحَ، ونازلٌ وجد باب العودة، وجيلٌ جديد بدأ يسأل عن معنى الحراسة.

وفي الفجر، يفهم سليم أخيرًا أن الجبل لم يكن وعدًا بالنصر السريع، ولا بالعزلة، ولا بالراحة؛ كان وعدًا بأن يبقى للإنسان موضعٌ لا يبيع فيه نفسه، وأن يحرس الحق بقلبٍ لا يفقد رحمته، وأن يظل ظهر الأمة مصونًا ولو لم يعرف الناس اسم الحارس.

ثم يكتب عبارته الأخيرة:

«ما زلنا على جبل الرماة… لم نبرح أماكننا.»

ويضع النقطة؛ لا لأن المعركة انتهت، بل لأن الحراسة بدأت.

اقرا الرواية كاملة بصيغة PDF

اترك تعليقاً