مقالات وخواطر وافكار

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132])

Spread the love

قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]، ولم يقل فقط: واصبر عليها. وفي اختيار «اصطبر» معنى زائد بديع؛ لأن الصلاة لا تحتاج صبر لحظة، بل تحتاج مجاهدةً متجددةً واستدامةً للثبات. «اصطبر» من الصبر، لكنها في هذا البناء أقوى من «اصبر»؛ كأن المعنى: استجمع صبرك، وحمِّل نفسك عليه، وداوم على تجديده كلما فترت النفس. فالصلاة عبادة تتكرر كل يوم، لا تنتهي منها مرة واحدة؛ ولهذا فالثبات عليها ليس قرارًا يُتخذ صباحًا ثم يُطوى، وإنما هو قرار يُجدد عند الفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، في الصحة والمرض، والنشاط والفتور، والرخاء والانشغال. والأدق أن الآية سبقت ذلك بقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾. فليس المطلوب أن تأمرهم ثم تنصرف؛ بل أن تكون أنت أيضًا ثابتًا عليها. لأن من أصعب صور التربية أن تطالب غيرك بشيء تحتاج أنت نفسك إلى مجاهدة النفس للثبات عليه. فكأن الآية تقول: أقم الصلاة في بيتك أمرًا، وأقمها في نفسك اصطبارًا. وثمة معنى آخر مهم: الصلاة قد تكون يسيرة في لحظات الصفاء، لكنها تصبح أثقل حين يزدحم القلب، أو يشتد التعب، أو تتكاثر المشاغل، أو يطول الطريق، أو تتأخر الثمرة التي يرجوها الإنسان من عبادته. وهنا يظهر معنى «اصطبر»: لا تجعل علاقتك بالصلاة خاضعةً لمزاجك، ولا تنتظر أن تكون النفس دائمًا راغبة؛ بل قدها إليها حين تنشط، وقدها إليها حين تفتر. ثم تأتي بعدها مباشرةً آية الرزق: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. وهذا الترتيب شديد الدلالة؛ لأن أكثر ما يصرف الإنسان عن الصلاة هو همُّ الدنيا والسعي والرزق. فكأن الله يقول: لا تجعل طلب الرزق يسرقك من الصلاة، فإن الذي أمرك بالصلاة هو الذي تكفّل برزقك. أنت مأمور أن تصطبر على العبادة، لا أن تجعل العبادة ضحيةً للانشغال بالمعاش. وأجد في التعبير ملمحًا أعمق: الصلاة نفسها تصنع الصبر، لكنها تحتاج في بدايتها إلى صبر. تصبر عليها حتى تصبح هي التي تحملك؛ تجاهد نفسك إليها حتى تصير هي موطن سكينتك، وتثقل عليك في أول الطريق حتى تشعر بعد ذلك أن الذي يثقل عليك حقًا هو فواتها. ولهذا لم يقل: وأمر أهلك بالصلاة وانتظر نتائجها، بل قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. لأن العبودية ليست صفقةً عاجلة النتائج، وإنما وفاءٌ طويل المدى. وأكاد ألخص الآية في عبارة واحدة: الصلاة لا تريد منك حماسة البداية، بل وفاء الاستمرار؛ ولذلك لم يقل: اصبر عليها، وإنما قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. رداد السلامي

لكن لماذا قال ” لا نسألك رزقا ، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى “؟ الجواب :لأن الآية تعالج العائق الأكبر الذي قد يصدّ الإنسان عن الصلاة والعبادة: همَّ الرزق وقلق المستقبل. قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132]. المعنى كأنه ينتظم هكذا: لا تقل إن الالتزام بالصلاة سيأخذ من وقت السعي، أو إن الانشغال بالطاعة سيضيّق عليك باب المعاش؛ فأنا لا أطلب منك أن ترزق نفسك ولا أهلك، إنما أطلب منك العبودية، أما الرزق فمهمتي أنا: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. ولهذا جاءت العبارة في غاية الدقة: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾، لا لأن الإنسان لا يعمل، بل لأن الله يفصل له بين الواجب الذي عليه والأمر الذي ليس بيده. عليك السعي والطاعة، وليس عليك ضمان النتائج. تعمل، لكن لا تتوهم أنك أنت الذي تخلق الرزق. تأخذ بالأسباب، لكن لا تجعل الأسباب إلهًا آخر يزاحم أمر الله. ثم إن قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ يحرر القلب من أخطر وهم بشري: أن الإنسان إذا أعطى لله من وقته خسر من دنياه. الآية تقلب المعادلة: ما تعطيه لله لا يخرجك من دائرة الرزق، لأن الرزق أصلًا ليس صادرًا منك. ثم تأتي الخاتمة: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، وكأنها تنقل النظر من اللحظة إلى النهاية. قد ترى في اللحظة أن المتفلت من القيم أسرع مكسبًا، وأن المنهمك في الدنيا أوفر حظًا، وأن المتقي أبطأ طريقًا؛ لكن الله لا يحاكم الأمور بمشهدها العاجل، بل بمآلها. العاقبة ليست لمن جمع أكثر، ولا لمن سبق أسرع، بل لمن انتهى طريقه إلى رضا الله. وهذا يفسر اجتماع الجمل الثلاث: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: لا تترك العبادة بسبب ضغط الحياة. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾: لا تجعل الخوف على المعاش يزاحم ثقتك بالله. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾: لا تحكم على الطريق من أوله، بل من نهايته. وفي الآية معنى بالغ الجمال: الإنسان عادةً يقول في داخله: كيف أعبد الله وأنا مشغول بتأمين حياتي؟ فجاء الجواب الإلهي كأنه يقول: رتّب أولوياتك على الحقيقة: أنت مكلَّف بالعبودية، وأنا متكفّل بالرزق. ولعل أعمق ما فيها أن الله لم يقل: سنرزقك، بل قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ بالفعل المضارع؛ أي أن الرزق ليس وعدًا مؤجلًا فقط، بل فعل إلهي جارٍ في كل لحظة من حياتك. ولهذا يمكن اختصار السياق كله في عبارة واحدة: لا تجعل ما تكفّل الله به يشغلك عما كلّفك به؛ فقد تكفّل بالرزق، وكلّفك بالتقوى، ثم أخبرك أن العاقبة لها.

اترك تعليقاً